ابن أبي الحديد
153
شرح نهج البلاغة
الثالث قوله : " لنقسمها على كتاب الله " ، والبلاغة لا تقتضي ذلك ، ولكني أظنه أحب أن يحتاط ، وأن يدفع الظنة ( 1 ) عن نفسه ، فإن الزمان كان في عهده قد فسد ، وساءت ظنون الناس ، لا سيما مع ما رآه من عثمان واستئثاره بمال الفئ . ونعود إلى الشرح . قوله عليه السلام : " على تقوى الله " ، " على " ليست متعلقة ب " انطلق " ، بل بمحذوف تقديره : مواظبا . قوله : " ولا تروعن " أي لا تفزعن ، والروع الفزع ، رعته أروعه ، ولا تروعن بتشديد الواو وضم حرف المضارعة ، من روعت للتكثير . قوله عليه السلام : " ولا تجتازن عليه كارها " ، أي لا تمرن ببيوت أحد من المسلمين يكره مرورك . وروي : " ولا تختارن عليه " ، أي لا تقسم ماله وتختر أحد القسمين ، والهاء في " عليه " ترجع إلى " مسلما " وتفسير هذا سيأتي في وصيته له أن يصدع المال ثم يصدعه ، فهذا هو النهى عن أن يختار على المسلم . والرواية الأولى هي المشهورة . قوله عليه السلام : " فأنزل بمائهم " ، وذلك لان الغريب يحمد منه الانقباض ، ويستهجن في القادم أن يخالط بيوت الحي الذي قدم عليه فقد يكون من النساء من لا تليق رؤيته ، ولا يحسن سماع صوته ، ومن الأطفال من يستهجن أن يرى الغريب انبساطه على أبويه وأهله ، وقد يكره القوم أن يطلع الغريب على مأكلهم ومشربهم وملبسهم وبواطن أحوالهم ، وقد يكونون فقراء فيكرهون أن يعرف فقرهم فيحتقرهم ، أو أغنياء أرباب ثروة كثيرة فيكرهون أن يعلم الغريب ثروتهم فيحسدهم ، ثم أمره أن يمضي إليهم غير متسرع ولا عجل ولا طائش نزق ، حتى يقوم بينهم فيسلم عليهم
--> ( 1 ) الظنة : التهمة .